الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

148

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وحصوله بمجرد الأمر أول الكلام وقد يذب عنه بأن قضية الإطلاقات الدالة على وجوب طاعة الله والرسول والأئمة هو وجوب طاعتهم مطلقا ومن البين صدق الطاعة على امتثال الأوامر المطلقة الصادرة منهم فيجب الإتيان بها إلا ما قام الدليل على خلافه وهو ما يثبت استحبابه وفيه أنه بعد ظهور صدق الطاعة على امتثال الأوامر الندبية لا بد من تقييد ما دل على وجوب الطاعة بخصوص ما يتعلق به الطلب الإلزامي دون غيره فصار مفاد تلك الأدلة هو وجوب الطاعة في خصوص ما ألزموه وحينئذ فلا يفيد المدعى إذ لا ربط لذلك لدلالة الأمر على الوجوب أو الندب أو الأعم منهما ألا ترى أنا لو قلنا بدلالة الأمر على الندب لم تناقض ما دل على وجوب الطاعة أصلا لاختلاف المقامين فإن مفاد ما دل على وجوب الطاعة هو وجوب الإتيان بما ألزموه وحتموه والكلام في المقام في دلالة الأمر على الوجوب والإلزام ولا ربط لأحدهما بالآخر ومنها الأخبار الدالة على ذلك فمن ذلك خبر بريرة وكانت لعائشة وقد زوجتها من عبد فلما أعتقها وعلمت بخيارها في نكاحها أرادت مفارقة زوجها فاشتكى إلى النبي صلى اللَّه عليه وآله فقال لها ارجعي إلى زوجك فإنه أبو ولدك وله عليك منّ فقالت يا رسول الله أتأمرني بذلك فقال لا إنما أنا شافع فإن نفي الأمر وإثبات الشفاعة مع إفادة الشفاعة الاستحباب دليل على كون الأمر للوجوب وأورد عليه بأنه قد يكون سؤالها عن الأمر من جهة ثبوت رجحان الرجوع شرعا سواء كان على سبيل الوجوب أو الاستحباب فلما أعلمها النبي بعدمه وأن أمره بالرجوع على سبيل الشفاعة إجابة لالتماس زوجها قالت لا حاجة لي فيه وأجيب عنه بأن إجابة شفاعة النبي صلى اللَّه عليه وآله مندوبة فإذا لم يكن الرجوع مأمورا به مع ذلك تعين كون الأمر للوجوب وأورد عليه بأنه إذا كانت الشفاعة كذا في الرواية المذكورة غير مأمور بإجابتها فلا نسلّم أنها كانت في تلك الصورة مندوبة كذا ذكره في الأحكام وأنت خبير بأن استحباب إجابة الشفاعة غير كون الطلب الصادر منه على سبيل الندب فلا منافاة بين الاستحباب المذكور وعدم ورود الأمر على جهة الندب بل على جهة الشفاعة وإن جعلناها أحد معاني الصيغة أو جعلناها للإرشاد فلا حاجة إلى التزام عدم رجحان إجابة شفاعة النبي صلى اللَّه عليه وآله لكن الظاهر أن الأمر في الشفاعة لا يخلو عن طلب من الشفيع ولو كان غير حتمي وحينئذ فظاهر قوله أتأمرني يا رسول الله هو السؤال عن طلب الحتمي وليس في كلامها إشارة إلى كون السؤال عن رجحان رجوعها إليه في أصل الشرع سواء كان على سبيل الوجوب أو الندب فحمله على ذلك في غاية البعد فيندرج بذلك المناقشة المذكورة نعم يرد عليه أنه لا دلالة في ذلك على مفاد الصيغة وإنما غايته الدلالة على كون لفظ الأمر للوجوب ومن ذلك خبر السؤال المشهور الوارد من الطريقين وهو قوله عليه السلام لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسّواك مع تواتر طلبه على سبيل الندب وأورد عليه في الأحكام بأن قوله تعالى أن أشق قرينة على كون المراد بالأمر في قوله لأمرتهم هو الأمر الإيجابي إذ لا يكون المشقة إلا في الإيجاب نظرا إلى إلزام الفاعل بأدائه ولا يذهب عليك أن ما ذكره بعد تسليمه خروج عن ظاهر الرواية والتزام التقييد الإطلاق من غير قرينة عليه فإنه كما يصح أن يكون ذلك قرينة على التقييد كذا يصح أن يكون شاهدا على كون الأمر للوجوب كما هو ظاهر إطلاقه وعليه مبنى الاستدلال نعم يرد عليه ما تقدم من عدم دلالته على إفادة الصيغة للوجوب كما هو المدعى وقد يدفع ذلك بنحو ما مرت الإشارة إليه ومن ذلك قوله لأبي سعيد الخدري حيث لم يجب دعاءه وهو في الصلاة أما سمعت قوله تعالى يا أيها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول الآية فظاهر توبيخه يعطي كون أمره للوجوب وكذا احتجاجه على وجوب الإجابة بمجرد الأمر الوارد في الآية الشريفة وأجيب عنه بأن القرينة على وجوب الأمر المذكور ظاهرة حيث إن فيه تعظيما لله تعالى والرّسول ودفعا للإهانة والتحقير الحاصل بالإعراض كذا في الأحكام وهو على فرض تسليمه إنما يفيد حمل الأمر الوارد في الآية الشريفة على الوجوب وأما دلالته على كون الدعاء على سبيل الوجوب فلا ويبقى الاستناد إلى التوبيخ المذكور على حاله وقد يجاب عنه بأن دعاءه لم يعلم كونه بصيغة الأمر ولم يعلم أيضا كون التوبيخ الوارد عليه من جهة مجرد عدم إجابة الدعاء بل قد يكون من أجل الأمر الوارد في الآية الشريفة المقرونة بقرينة الوجوب لكن لا يذهب عليك أن ظاهر ذكر الآية الشريفة في مقام التوبيخ شاهد على عدم اعتبار كون الدعاء بلفظ مخصوص فيندرج فيها ما إذا كان بصيغة الأمر لصدق الدعاء عليه بحسب العرف قطعا وأن وجوب الإجابة المستفاد من الآية فرع كون الدّعاء على سبيل الوجوب إذ يبعد القول بوجوب الإجابة مع كون الدعاء على سبيل الندب فيفيد دلالة الصيغة على الوجوب وإلا لم يتجه إطلاق الحكم بوجوب الإجابة ومن ذلك جملة من الأخبار الخاصة كصحيحة الفاضلين الواردة في التقصير في السفر وقد احتج الإمام عليه السلام بآية التقصير فقالا قلنا إنما قال الله تعالى لا جناح عليكم ولم يقل افعلوا فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر ثم أجاب عنه بورود لا جناح في الكتاب في آية السعي وقد استدلوا على وجوبه في الحج بذكره تعالى في كتابه ووصف النبي صلى اللَّه عليه وآله له فكذا التقصير ففي فهمهما الوجوب من صيغة افعلوا وتقرير الإمام عليه السلام على ذلك دلالة على المطلوب ويرد على ذلك وعلى الاحتجاج بسائر الروايات المتقدمة ما عرفت من أن غاية ما يستفاد منها كون الصيغة مفيدة للوجوب ظاهرة فيه وهو أعم من كون ذلك بالوضع أو من جهة ظهور الطلب فيه والظاهر أنه على الوجه الثاني كما يظهر من ملاحظة ما قدمناه فلا تفيد المدعى ومنها الإجماع المحكي في كلام جماعة من الخاصة والعامة على الاحتجاج بالأوامر المطلقة الواردة في الشريعة على الوجوب وقد حكاه من الخاصة السيدان والشيخ والعلامة في النهاية وشيخنا البهائي ومن العامة الحاجبي والعضدي وهو حجة في المقام سيما مع اعتضاده بالشهرة العظيمة وملاحظة الطريقة الجارية في الاحتجاجات الدائرة وبضميمة أصالة عدم النقل يتم المدعى ولا يذهب عليك أن ذلك أيضا أعم من المدعى فإن قضية إجماع المذكور انصراف الأمر إلى الوجوب وهو كما عرفت أعم من وضعه له قوله إذا أمرتكم بشيء إلى آخره لا يخفى أن هذه الرواية في بادي الرأي تحتمل وجوها ولا ارتباط لشيء منها بدلالة الأمر على الندب حتى يوجه به الاحتجاج المذكور فإن المراد بالشيء المأمور به أما الكلي الذي له أفراد أو الكل الذي له أجزاء أو الأعم منهما وعلى كل حال فمن في قوله منه إما تبعيضية أو ابتدائية وعلى كل حال فما في قوله منه ما استطعتم